السيد محمد بحر العلوم
276
بلغة الفقيه
باب الولاية ، لا من باب التولية ، لأنها في الحقيقة إعطاء سلطنة له من المالك الموصي فيما كان له من السلطنة على ماله ، غير أنها مقصورة على الثلث ، لأنه القدر الثابت من الأدلة في جواز انتقالها منه إليه بعد الموت . * ( المبحث الرابع ) * في ولاية المقاصة والأخذ بالتقاص . وهي في الجملة ثابتة بالكتاب نحو قوله تعالى : " والحرمات قصاص " ( 1 ) " ولكم في القصاص حياة " ( 2 ) " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " ( 3 ) " فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " ( 4 ) " وجزاء سيئة سيئة ؟ مثلها " ( 5 ) ونحو ذلك بالسنة عموما : " نحو لا ضرر ولا ضرار " ( 6 )
--> ( 1 ) سورة البقرة / 194 . وأول الآية : الشهر الحرام بالشهر الحرام . ( 2 ) سورة البقرة 179 . وأخر الآية : يا أولي الألباب لعلكم تتقون ( 3 ) سورة البقرة 194 . وأول الآية : ( الشهر الحرام بالشهر الحرام ) . ( 4 ) سورة النحل / 126 . وأول الآية ( وإن عوقبتم ) . ( 5 ) سورة الشورى / 40 ، وتكملة الآية : فمن عفا وأصلح فأجره على الله . ( 6 ) الكلام حول هذه القاعدة المستقلة ؟ من الحديث النبوي بإيجاز من جهات : في مدرك حجيتها ، وفي المعنى اللغوي للكلمتين ، وفي المقصود الشرعي من ذلك . أما الجهة الأولى فإنها من الأحاديث النبوية المسلمة الورود من العامة والخاصة ، والمتواترة النقل اجمالا من الطرفين بأسانيد وصور بعضها صحيح وبعضها موثق بحيث يقطع بصدور البعض منها على الأقل ولقد طبقها النبي صلى الله عليه وآله ككبرى كلية على موارد عديدة جاءت في بعضها خالية من الملحق ، وفي بعضها بالحاق كلمة ( في الاسلام ) وفي الآخر بالحاق كلمة ( على مؤمن ) . والظاهر أن منطلق هذه القاعدة من قصة سمرة بن جندب مع الأنصاري المتواترة النقل في كثير من المصادر العامة والخاصة بلا زيادة ، كما يرويها الكليني في الكافي في كتاب المعيشة باب الضرار حديث ( 2 ) بطريق عبد الله بن بكير عن زرارة عن الإمام الباقر ( ع ) حيث يقول النبي صلى الله عليه وآله للأنصاري بعد مساومته المتصاعدة لسمرة في بيع نخلته الكائنة في بستان الأنصاري ، وتضرر الأنصاري بكثرة تردد سمرة إلى نخلته من طريق بيته وعدم استئذانه منه يقول له : اذهب فاقلعها وارم بها إليه ، فإنه لا ضرر ولا ضرار " . وفي تاج العروس للزبيدي في شرح القاموس بنفس المادة يشير إلى الحديث بلا زيادة أيضا . حيث يقول في عرض تفسيره لفقرتيه : " وبه فسر الحديث : لا ضرر ولا ضرار " ومثلها غيرهما من عامة كتب الأخبار واللغة والفقه . وجاءت بزيادة كلمة ( على مؤمن ) في الرواية الثانية للكليني في نفس الباب حديث ( 8 ) من طريق عبد الله بن مسكان عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام ففي آخر الحديث المذكور : " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسمرة : إنك رجل مضار ، ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن . . " كما جاءت القاعدة بزيادة ( في الاسلام ) في نهاية ابن الأثير الجزري ، وفي ( مجمع البحرين للطريحي ) بنفس المادة أثناء تفسيرهما لفقرتي الحديث ونحوهما في بعض كتب الحديث والفقه واللغة : وعلى كل فاختلاف الحديث في وروده بإحدى الزيادتين أو بدونهما لا يوهن تحقق التواتر الاجمالي أو المعنوي في نقله بعدما كان التسالم من الجميع على أصل بنته الأصيلة المتكونة من فقرتي الضرر والضرار المنفيين وذلك كاف في مقام الوثوق بمدرك القاعدة . وأما الجهة الثانية فالضرر : اسم مصدر . والمصدر : الضر بالضم وقد يفتح وهو ضد النفع : ومعناه : إحداث النقص بالنفس أو المال أو العرض أو أي شأن من شؤون المتضرر نفسه ، والضرار على فعال : ايقاع الاضرار بالغير بذلك المعنى والذي يترائى من كلمات اللغويين كابن الأثير في النهاية ، والزبيدي في تاج العروس شرح القاموس وغيرهما في تفسير الضرر بأنه : ضد النفع أو النقص الداخل على الشئ أو فعل الواحد ونحو ذلك : إن المقابلة بين الضرر والنفع من باب التضاد لا من باب العدم والملكة كما قيل بدليل انتفائهما معا في مثال البيع برأس المال مثلا . ولو كان التقابل بينهما بنحو العدم والملكة لما خلا الواقع من أحدهما ، كما أن الذي يترائى من كلمات اللغويين أيضا في مقام التفريق بين الضرر والضرار بأن الضرر فعل الواحد والضرار فعل الاثنين على حد تعبير النهاية والتاج واللسان وغيرها : أن المقصود من فعل الاثنين ليس معناه كأبواب المفاعلة قيام المعنى أو صدوره من اثنين بل معناه صدور الفعل من واحد وقيامه بالآخر ، فأحدهما يحدث الضرر والآخر يتأثر به . وأما الجهة الثالثة فقد قيل في تفسير هذه الجملة عدة معان ، في بعضها ابقاء الاستعمال على حقيقته من نفي الطبيعة ، وفي بعضها يصرف عن المعنى الحقيقي إلى التجوز المناسب . فمن ذلك حمل النفي على النهي ، فيكون المراد تحريم الاضرار بالنفس أو الغير بعامة شؤونهما على غرار قوله تعالى : " ولا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " وقوله صلى الله عليه وآله : " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل " على بعض التفاسير وذلك لصحة قيام المصدر مقام الفعل في الاستعمال ، فيكون المراد : لا تضر نفسك ولا غيرك . ومن ذلك أن يكون المراد نفي الحكم حقيقة بلسان نفي الموضوع ، بمعنى أن ليس في عالم التشريع حكم مجعول يستلزم ضررا على النفس أو على الغير ، فالسالبة بانتفاء الموضوع تكوينا ، من قبيل قوله ( ع ) : " لا سهو في السهو " . ومن ذلك أن يكون المنفي هو الضرر أو الاضرار غير المتداركين شرعا ، إذ المتدارك منهما ليس ضررا ولا ضرارا في نظر الشرع ، كما هي النظرة العرفية والعقلائية كذلك . فالذي تستلزم القاعدة بناء على هذا المعنى ، وجوب تدارك الضرر الحاصل إذا حدث ، حيث أن ذلك المعنى أقرب المجازات بعد رفع اليد عن نفي الحقيقة . ولعل القول الثاني أقرب الثلاثة إلى مذاق الشريعة وابتنائها على المنة والمصلحة واللطف ، وأبقى للنفي والمنفي على حقيقتهما بلا تجوز ( هذا ، وللتفصيل مراجعة مظان القاعدة من كتب الأخبار واللغة والفقه الموسعة من الفريقين ) .